محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

870

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأسرار قال المصلحون لأموال اليتامى : إنّ أوّل يتيم في الدين من قال اللّه تعالى في حقّه : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وهو الدرّ اليتيم « 1 » ، وهو الفرد من الدرّ الذي لا زوج له ، وإنّما آواه بأبي طالب على قول عامّة المفسّرين ؛ والإصلاح له اتّباعه والمناصحة له والقيام بأمره . واليتيم الثاني : عليّ بن أبي طالب أخوه في الدين ومولاه بمعنى الاتبّاع ، ومولى المؤمنين بحكم الاستتباع : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » 121 والإصلاح له موالاته ومشايعته والحبّ له في اللّه ، وهو يتيم عن والده فآواه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - كفاء لحقّ والده إذ آواه . واليتيم الثالث فاطمة - عليها السلام - ومن بقي عن مثل المصطفى فهو أحقّ باليتم ؛ والإصلاح لها إعطاء حقّها ومعرفة قدرها وتعظيم شأنها وأمرها ، وكذلك أولادها فهم اليتامى ورثوا يتمهم من آبائهم الطاهرين ، وهم الأفراد من الدرّ اليتيم ، وهم الآحاد في اليتم ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، من أكل مالهم فكأنّما يأكل في بطنه نارا ويتبدّل الخبيث بالطيّب . وأمثال هذه التشديدات في أموال اليتامى على الخصوص لمعنى خاصّ باليتامى المخصوصين ؛ والوصيّة بالإصلاح لهم والتجنّب عن الخيانة في مالهم ليتمهم عن أبيهم ؛ فلا ناصر لهم إلّا اللّه ، ولا قائم بأمرهم إلّا اللّه ، وكلّ من كان له والد في الدين فتوفّي عنه قبل بلوغه مبلغ الكمال في الرجال ؛ فعلى من يخالط ماله ويتفقّد حاله الإصلاح له والقيام بواجب حقّه والتربية له حتّى يبلغ مبلغ الرجال . وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ والمبطل من المحقّ ، والخيّر من الشرّير ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ أي كلّفكم تكليف الأوّلين ، بل وضع عنكم إصركم والأغلال التي كانت عليكم ، واللّه عزيز لا يمانع في تكليف ما شاء ، حكيم لا يدافع في وضع كلّ شيء ( 360 آ ) موضعه على ما شاء ، وتخفيف التكليف على من شاء ؛ فالتعنيف في التكليف لعزّته ، والتخفيف في التكليف لحكمته .

--> ( 1 ) . في الهامش عبارة : كلام كالدّر اليتيم .